ما أنقذنا في الماضي يمكن أن يقتلنا في الحاضر

0
بين الماضي والحاضر سلاح مؤذي

إن تجارب حياتنا السابقة جاءت نتيجة لظروف حياتنا إلا أن السلوك والطرق التي اعتمدناها في الماضي لمواجهة موقف ما تصبح غير صالحة في الموقف نفسه بعد زمن. وهكذا يتحوّل ما أنقذنا في الماضي إلى سلاح ينفجر فينا فيؤذينا. كيف؟ تابع التفاصيل

ما ينبغي أن نفهمه أولاً هو أنّ كافة التصرّفات وأنواع السلوك التي تسجننا والتي بنينا عليها أنفسنا، سنة تلو الأخرى، كان لها في البدء دور مفيد ومُنقذ فعلاً.

عندما نواجه محنة ما، يتبرمج جسدنا وعقلنا ليجدا طريقة لتجنّب الضربة، إجراءات حماية سريعة تحفظنا من الخطر. بعض هذه الإجراءات تعود إلى الماضي السحيق وقد أصبحت غريزية لدينا: عندما نسمع انفجاراً نفرّ؛ عندما يكون الضوء قوياً جداً نغمض عينينا؛ عندما نشعر بالاختناق، نبصق ما في فمنا… أما البعض الآخر فاكتسبناه بالتعلّم: أن ننظر يميناً ويساراً قبل أن نجتاز الشارع، أن نتعامل بحذر مع الأشياء الخطرة، ألاّ نقترب كثيراً مما يحرق…

freepik.com

لكن ثمة أساليب لا تعود إلاّ لنا وحدنا: منذ بداية وجودنا، نبني لأنفسنا أنظمة دفاع تسمح لنا بمواجهة الخطر قدر الإمكان، وبإخفاء «نواقصنا». فبهذه الطريقة يتعلّم الصبي الأقصر قامة من رفاقه تضخيم صوته ورفعه، فيصبح محترماً ومطاعاً وإن كان أصغر من غيره. وهكذا أيضاً، تتمكّن الفتاة الخجولة والملازمة للبيت من التفتّح أخيراً حين تصبح أماً وربة منزل ومن ثم مربيّة.

إنّ حيل الإنسان لا تنضب ! إنه قادر على التكيّف وهذه نقطة قوته، لكنها نقطة ضعفه أيضاً … في الواقع، يمكن «لردود الأفعال الغريزية» التي وضعناها لضمان بقائنا أن تنقلب علينا وتسبب لنا العذاب. فالولد الصغير الذي ينشأ في محيط يخلو من الحنان والعاطفة سيقسو قلبه وسيكبت مشاعره لئلا يتعذب من هذا النقص. وعندما يكبر، سيحافظ على السلوك نفسه الذي سيحرمه من القدرة على التعبير عن مشاعره ومشاركتها. وبالتالي، إقامة علاقات غنيّة ومتوازنة…

سرعان ما يدرك الولد الأخير في أسرة كبيرة أنّ التهريج يمنحه مكانة مميّزة في أسرته الكبيرة ويميّزه عن أخوته وأخواته. وعندما يبلغ سن الرشد، لا يستطيع أن يمتنع عن محاولة إضحاك الآخرين ليجد لنفسه مكاناً بينهم، وهذا الأمر لا يسهّل دوماً حياته الاجتماعية والمهنية… ويتحوّل هذا السلوك المنقذ إلى سلوك شاذ، ومن دون أن ندرك ذلك غالباً. فهو يحدّ من حريتنا ويمنعنا من إجراء خيارات واعية.

اترك رد