انقلوا القيم إلى أطفالكم عبر سلوككم اليومي لا عبر محاضراتكم اليومية

نقل القيم الى الأطفال: أنجب الهامستر الصغير في منزلنا سبع هامسترات صغار. وُلِد أحدها ميتاً. فأمسكه أخي ورماه في سلة المهملات لأن الأم كانت تحمله في فمها وتركض أرجاء القفص كالمجنونة. لم ينتبه إلى أن صغيرتي ذات الأربع سنوات كانت موجودة إلى أن صرخت هذه الأخيرة “لماذا رميته يا شرير؟ أعده إلى أمه”.

حاولتُ استدراك الأمر، كان عليّ أن أخبرها حينها أن هناك خطبٌ ما، احتراماً لذكائها ولأنني متأكدة أنها ستطرح الكثير من الأسئلة، اخترتُ أن أكون صريحة قدر الإمكان.

فقلتُ لها “صغيرتي إنه ميت، هو لا يتحرك كإخوته، ليس على قيد الحياة. سنخبئه معاً في حوض النبتة”. وهذا ما فعلناه فعلاً (على الرغم من أنني لا أتمكن من السيطرة على نفسي في مواقف كهذه، لكنني بذلتُ مجهوداً خارقاً كي لا تشعر بالذعر أو الخيبة).

أكملت صغيرتي يومها بشكل عادي ولم تطرح المزيد من الأسئلة، ظننتُ أنها فهمت. إلا أنها فاجأتني بعد أربعة أيام حين وجدتها تحاول أن تحفر في المكان الذي دفنا فيه الهامستر الصغير. نسيتُ للوهلة الأولى ما فعلناه. فسألتها “ما الذي تفعلينه في الشرفة في هذا البرد القارس؟”. أجابت إجابة جعلتني أعجز عن الرد “أمي، لا بد من أن الهامستر قد اشتاق إلى أمه، هو وحيد هنا وحزين. والجو بارد جداً. سأعيده إلى أمه كي تدفئه”.

نظرتُ إليها بذهول، وطلبتُ منها أن تتوقف حالاً. ثم جلسنا معاً كي نتحدث. عرفتُ حينها أن عليّ أن أفسر بطريقة أكثر وضوحاً. ولكن كيف أفسر لطفلتي الصغيرة فكرة الموت؟!!! الأمر ليس سهلاً، ليس سهلاً على الإطلاق. جلستُ بالقرب منها وأخبرتها أن ذاك الهامستر الصغير لا يشعر بالبرد أو الحزن، لأنه مات. فوجهت إليّ نفس النظرة البريئة وقالت “أمي، هل تقصدين أنه نائم؟”.

فأجبتها “صغيرتي لا، هو ليس نائماً، بل مات ولم يعد يتحرك ولن يعود. لكن لا تحزني، لقد انتقل إلى مكان آخر أجمل من المكان الذي نعيش فيه”. انتقلت مباشرة إلى السؤال الأكثر صعوبة “لقد مات مثل جدي؟”.

كان عمرها سنتين ونصف حين توفي والدي. لم أتخيل أنها تركز في التفاصيل إلى هذا الحد أو أنها تتذكره، كنتُ أخبرها عنه حين ترى الصور. لكنها لم تسألني عن مكانه أو سبب غيابه. أجبتها بهدوء متجنبة الكشف عن الجرح العميق الذي حركه سؤالها في أعماقي “نعم، مات مثل جدك”. فأجابتني وقد تمكنت بدهائها من كشف لمحة الحزن في عيني “لا تحزني، جدي انتقل أيضاً إلى مكان جميل أجمل من المكان الذي نعيش فيه”.

لم أعد أدرك أأضحك بسبب ذكاء وبراءة هذه الطفلة الصغير أم أبكي لأنني تذكرتُ كم كان والدي يحبها ويخبرني أنها ستكون طفلة مشاغبة وذكية جداً. لكن ما كنتُ متأكدة منه حينها، هو أن طفلتي تثق بي وتحفظ كلماتي وتفهمها بشكلٍ حرفي، وتستنسخ طريقة كلامي وتصرفاتي. ما كنتُ متأكدة منه آنذاك، هو أن التربية ليست بتلقين الأطفال معلومات حول الصح والخطأ فحسب، بل بالتصرف بصدق وشفافية وتعاطف ومحبة، وباتباع القيم التي نود أن يؤمنوا بها قبل أن نتحدث عنها ونلقي المحاضرات.

سماح خليفة

التعليقات مغلقة.