لا تحمّلوا أطفالكم أكثر من طاقتهم بحجة أنهم أبطال

0

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

بدأتُ أمهّد لها منذ بداية اليوم. سوف نذهب إلى طبيبة الأسنان، كي تنظف لكِ أسنانكِ وتخرج السوسة الشريرة، ومن ثمّ لن يؤلِمَكِ سنّك مجدداً. أنتِ فتاةُ قوية، لا تخافي ولا تبكي ! ماما ستكون بالقرب منكِ وطبيبة الأسنان ستعطيكِ هدية عند الانتهاء، وسأشتري لكِ لعبةً جميلةً إذا كنتِ فتاةً مهذبة وتصرّفتِ بطريقة جيدة.

كانت تغرقني بالأسئلة الفضولية كعادتها وأجيبها بطريقة مبسّطة تشبه طريقة تفكيرها كي لا تشعر بالخوف.
وصلنا إلى العيادة، كان كلّ شيءٍ على ما يُرام، كانت هادئة أكثر مما توقعت. إلى أن تلقت إبرة البنج التي أخاف منها أنا شخصياً. فبدأت بالبكاء والصراخ : أريد ماما، أريد أن أرحل.
مع بعض الأغاني والتشجيع والدعم والوعد بمكافأة، مرّ الأمر بسلام، وأهدتها الطبيبة بالوناً ولعبةً صغيرةً تحتفظ بها في عيادتها لتشجيع الأطفال وإزالة الخوف من قلوبهم.

لستُ طفلة جيدة… لقد بكيت!

الصدمة حصلت بعد الانتهاء من عمل طبيبة الأسنان. نظرت إليّ طفلتي إبنة الأربع سنوات وعيناها مليئتان بالدموع وقالت “أنا لم أكن طفلة جيدة، أنا طفلة سيئة، لن تشتري لي لعبة”. ذُهلتُ تماماً وأجبتُها “بلى طبعاً، أنتِ طفلة رائعة، لقد كنتِ بطلة”. فأجابت “كلا، لستُ كذلك، لقد بكيت”.

تذكّرتُ حينها كلمات “لا تخافي، لا تبكي، أنتِ بطلة”. كيف لنا أن نطلب من طفلٍ أن يخفي مشاعره كي يبدو بطلاً. وهل البطولة تكمن في إخفاء المشاعر والتألّم بصمت؟ إنها الثقافة التي ورثتها عن والدتي وورثتها أمي عن والدتها.. يا له من خطأٍ فادح!

لا بأس في أن نعبّر عن مشاعرنا

غمرتها بهدوء وأخبرتها أنه لا بأس أن نخاف أحياناً أو نبكي. هذا ليس أمراً سيئاً ولا يعني أبداً أنكِ طفلة سيئة. لم تقتنع واستمرّت بالبكاء وقول “كلا، أنا فتاةٌ سيئة”. فاقتربتُ منها أكثر وقلتُ لها بصوتٍ خافت “سأخبركِ سراً، ماما أيضاً تخاف من طبيب الأسنان”. هدأت قليلاً والتفتت إلي قائلةً “حقاً؟ أنتِ تبكين حين تذهبين إلى طبيب الأسنان؟”. أجبتُها “نعم أبكي كثيراً، لكنني أشعر بسعادة كبيرة حين يزول الألم وترحل السوسة من سني”. فابتسمت ونظرت إلي قائلةً “ماما، أنا أحبكِ كثيراً”. إنها عبارتها المعتادة التي تستخدمها حين تريد التعبير عن الشكر بطريقتها الخاصة.

دعونا لا نفرض على أولادنا ثقافات خاطئة توارثناها في لاوعينا عن أجدادنا، فجعلتنا نظن أن التعبير عن المشاعر عيبٌ أو خطأ أو ضعف. دعونا لا نحمّل أطفالنا أكبر من طاقتهم بحجة أنهم بهذه الطريقة سيكونون أبطالاً. البطولة ليست بإنكار الذات أو عدم التعبير عن مشاعرنا أو عدم الفشل، البطولة هي بتخطّي الألم والحزن والفشل وتقبّل كل هذه المشاعر دون إنكارها، لأنها جزءٌ مما سنصبح عليه لاحقاً.

سماح خليفة

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

تعليقات
Loading...