ما الذي تعلمته من المرأة الغريبة التي استهزأت بطفلي؟

0

كنت أعرف أن المتنمرين أشخاص سيواجههم أطفالي أخيراً ولكن ما لم أتوقعه هو أن يستهدف المتنمرون طفلاً رضيعاً.

المرة الأولى التي تعرض فيها طفلي للتنمر حدثت وهو في الشهر الخامس من عمره..لن أنسى ابداً أين كنا.. كنا واقفين أمام قسم الأطعمة الجاهزة في المتجر .. وكنت قد طلبت كيلو من الحبش المدخن فنظرت فإذا بي أرى امرأة في متوسط العمر تضحك وتشير إلى ابني.

كنت أعرف أن أطفالي سيواجهون أخيراً المتنمرين ولكن ما لم أتوقعه هو أن يستهدف المتنمرون طفلاً رضيعاً.

لم أحتج إلى وقت طويل حتى أدرك علاما تضحك .. كان طفلي الجميل يعتمر خوذة الجمجمة (الخاصة بإصلاح مشاكل الجمجمة) . لقد وضعناها له منذ يومين فقط وزيارة المتجر كانت المرة الأولى التي نخرج فيها وهو معتمر هذه الخوذة..

أصلاً كنت منفعلة جداً وحزينة.. فأنا اشتاق إلى رائحة شعره المغسول حديثاً.. وأكره عدم قدرتي على تقريبه من قلبي عندما أطعمه .. فهذه الخوذة البلاستيكية كانت تفصلنا عن بعض وتحرمني من الإحساس بدفئه.. وها هي الآن تجعله أضحوكة المتجر بأسره..

تمنيت لو أمسك بخناق الأم التي اعتدت أن أكونها وأهمس في أذنها:”لا بأس.. دعيهم يضحكون.. أنت على وشك أن تعلّمي العالم أنواعاً مختلفة من الجمال”. ولكن من المحتمل أنها ستبعدني كما أنها ما كانت لتصدقني..

لأن المرأة التي اعتدت أن أكونها كانت شخصاً ملتزماً بالاختباء.

هرعت إلى الخارج ووصلت إلى سيارتي قبل أن تنهمر دموعي.. ولكن ما لم أدركه في ذاك الوقت أنني لم أكن أبكي من قسوة المرأة أو من خوذة الجمجمة بل كنت أبكي لأنهم صنفوا طفلي “بالمختلف” .. وفي ذاك الوقت لم أرد ذاك الاختلاف.. بل كنت يائسة أريد أن يكون طفلي كغيره من الأطفال.

قبل أشهر من وقوع طفلي بين كلابتيّ الخوذة البلاستيكية ، كان عالمي قد انقلب رأساً على عقب.. فقلب زوجي توقف وابنتي البالغة من العمر سنتين بدأت تظهر عليها علامات التوحد، والكآبة والإساءة اللتين كنت أحملهما في داخلي لسنوات بدأتا بالظهور إلى العلن.

لقد أقنعت نفسي أن لا أحد يريد مشاطرتي ضيقي وألمي ولا أنا أستطيع ذلك.. العالم لم يرد رؤية ألمي بل يريد فقط رؤية الأجزاء الجميلة مني.. فكانت تلك الأجزاء التي أظهرتها لهم أما الأجزاء التي تعاني فأبقيتها في داخلي..

ير أن هذه الخوذة وتلك التجربة المرة في المتجر غيرت كل شيء فيّ.. لا مكان بعد الآن للاختباء .. كانت تلك اللحظة بداية السماح للعالم برؤية العيب الذي لم أعد أستطيع فلترته وتصفية شوائبه.. وبداية تهيئتي للمضي قدماً مع رضيعي الصغير.

لأنه في غضون 3 أشهر ستذهب هذه الخوذة بلا رجعة ولكن ما تبقى من حياة طفلي ستظل مختلفة .. فقد تبين أن طفلي كأخته لديه عاهة غير مرئية : التوحد.
ما تزال النظرات والضحكات والهمهمات تلاحقني طوال الوقت ولكن الناس لن يعرفوا ما الذي يبحثون عنه. من المستحيل أن تفوتهم رؤية خوذة موضوعة على رأس ابن الخمسة أشهر أما التوحد فليس مرئياً كالخوذة وليس هناك شيء ليشيروا إليه.

عندما يعاني أطفالي من انهيارات حسية أو عندما يرفرفون من الإثارة أو يرفضون صداقة طفل آخر ، ستعود عيون الآخرين الشريرة بدون أن تكون قادرة بالضرورة على تسمية أطفالي بالمختلفين.

ولكن على عكس ما حدث معي مع تلك المرأة قبل سنتين ، اليوم لم أعد أنوي أن أهرع إلى الخارج والبكاء.. زمن الاختباء قد ولّى فكل ما أريده هو أن أثقّف الآخرين ..

فحتى تعرّف العالم إلى أنواع الجمال المختلفة عليك أن تعرضها لهم .. ها هما طفلاي.. مصابان بالتوحد .. إضافة إلى مجموعة من الخصائص الأخرى الرائعة.
لدينا جميعاً شيء يشير إلى أننا أشخاص غير نموذجيين.. ربما هذا الشيء قابع على رؤوسنا بحيث يراه الجميع أو ربما تكون قد دفعته عميقاً في داخلك على أمل أن يختفي إلى الأبد . إلا أنني أشجعك أن تحتضن هذا الاختلاف وعندما تصبح جاهزاً نفسياً أطلق سراحه.

لعل هناك شخص واقف في المتجر، غير راغب في الإشارة أو الضحك بل راغب في السير معك .. عندما نتخلى عن المظاهر ونختار أن نكون أصيلين غير مزيفين تنتظرنا حياة أكثر ثراء وغنى.. أما حان الوقت لنضع خوذنا ليرانا العالم بأسره !.

اترك رد