لا تورثوا أطفالكم “خوفكم من الناس” كي لا يعيشوا تعساء مثلكم

0

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

امرأة قوية:
لكل أمٍ قائمة أولويات تعتمدها في حياتها، حتى لو لم تكن تعترف بذلك. وقد كانت أولوية أمي “الناس”.. ماذا سيقول الناس؟ كيف سيفكر الناس؟ لا تتصرفي بطريقة غير لائقة أمام الناس. لا تتحدثي بطريقة وقحة أمام الناس. سيقولون إن أطفالي وقحين. لم يكن هناك من مشكلة إن أزعجنا الناس، إن قالوا عن أطفالها أموراً لا تشبههم، إن أخذوا ألعابهم أو تنمروا عليهم. لا بأس إن تنازلنا قليلاً، يجب أن نكون مهذبين بنظر الناس. حتى الدفاع عن النفس كان وقاحة.

كبرتُ وفي رأسي تسيطر فكرة واحدة ورثتُها عن أمي “الخوف من الناس”.

ولا داعي لشرح كم أن إرضاء الناس غايةٌ لا تُدرَك، ولا داعي لوصف مدى الخيبات التي واجهتُها في حياتي المهنية وعلاقاتي ومع صداقاتي. كنتُ أظن أنني الشخص المذنب دائماً، وأنه علي أن أعتذر وأعطي الناس أعذاراً، كنتُ أظن أن كل عيوب الكون تكمن في شخصيتي وآخذ كل نقدٍ أسمعه على محمل الجد. كنتُ ضحيةً سهلةً للأشخاص النرجسيين الذين يستمدون ثقتهم بنفسهم وقوتهم من تحطيم الآخرين والتقليل من شأنهم. أقل كلمة كانت تجعلني أقع في هاوية لا قرار لها، وأنعزل عن الناس.

إلى أن أصبحتُ أماً.

كان أمامي خيارين، إما أن أنقل المشكلة لأطفالي، وإما أن أبذل مجهوداً كبيراً كي أضع لها حداً. واخترتُ أن أضع حداً لكل هذا. وضعتُ أطفالي في أعلى قائمة أولوياتي، ومن بعدهم فليكن الطوفان. كنتُ صارمةً جداً في هذا القرار.
احتاج ذاك الكثير من الجهد، فأنا لا أملك ما يكفي من الثقة بالنفس والجرأة لمواجهة الناس. إنها مسألة سنوات من الصمت المتراكم، لا يمكن أن تتلاشى في بضعة أيام.
وبدأ التحدي، تحدٍ رهيبٍ مع الذات. لا بد من أنني كنتُ أعاني من الرهاب الاجتماعي. حين كان ينتقدني أحدهم، كنتُ ألتزم الصمت وفي رأسي ألف جواب… كأنني أؤمن بأنني لا أملك حق الرد أو الدفاع عن نفسي. وكان ذاك يدمّرني حقاً من الداخل.

وذات يومٍ قررت.. لن أكون مهذبة بعد اليوم.. خاصةً حين يتعلق الأمر بأطفالي

أثر ذلك بشكلٍ إيجابي جداً على حياتي ككل. ولن تصدقوا مدى السعادة التي تطال روحنا حين نبحث عن رضى أنفسنا، لا عن رضى الناس.
لم أقبل ولو لمرة أن ينتقد أحدٌ أطفالي بطريقة وقحة، لم أقبل ولو لمرة أن أراعي مشاعر الناس على حساب مشاعر أطفالي. لم أطلب من أطفالي يوماً السكوت عن حقهم لأجل أحد، ولن أفعل.
الحياة قاسية بما يكفي، أردتُ أن يكون أطفالي أقوياء.. أقوياء بطيبتهم وتعاطفهم مع الآخرين وتواضعهم، أقوياء عبر احترام الآخر وعدم تخطي الحدود، وفي الوقت نفسه أقوياء عبر ردع أي محاولة تعدٍ على مشاعرهم أو حقوقهم وعبر التصدي لأي محاولة تهكم أو تنمر بأرقى الطرق الممكنة.
التهذيب ليس ضعفاً، التهذيب ليس تنازلاً وانطواءً كما علمونا. التهذيب لا ينطوي على قمع الذات والرضوخ للأذى. حين يمس الأمر كبرياءنا يصبح من قلة التهذيب في حق ذاتنا الصمت على تجاوزاتهم.

سماح خليفة

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

تعليقات
Loading...